الزركشي

151

البحر المحيط في أصول الفقه

مأمورا به وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبا ثم قال القاضي والصحيح عندي أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من وجوب وندب . قال ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك شرطين : أحدهما : أن يكون مع وجوبه مضيقا مستحق العين لأجل أن الواجب الموسع ليس بنهي عن ضده . والثاني أن يكون نهيا عن ضده وضد البدل منه الذي هو بدل لا ما إذا كان أمر على غير وجه التخيير انتهى . وهذا الشرط الثاني قد سبق تصوير المسألة به وقد ذكرهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه فقال إذا كان شيء واحد مضيق معين لا بدل له وذكره ابن القشيري أيضا فقال هذا في الأمر بالشيء على التنصيص لا على التخيير فإن الأمر على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده فيكون الواجب أحدهما لا بعينه . وذكر عبد القاهر البغدادي أن الأمر بالشيء إنما يكون عن ضده إذا كان المأمور به مضيق الوجوب بلا بدل ولا تخيير كالصوم فأما إذا لم يكن كذلك فلا يكون نهيا عن ضده كالكفارات واحدة منها واجبة مأمور بها غير منهي عن تركها لجواز ردها إلى غيرها كما في الأمر . وقد احترز القاضي عن هذا فقال الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به وبدله القائم مقامه إن كان له بدل فيخرج بذلك الأمر المشتمل على التخيير انتهى . وذكر صاحب القواطع أن المسألة مصورة بما إذا كان الأمر يوجب تحصيل المأمور به على الفور فلا بد من ترك ضده عقب الأمر كما لا بد من فعله عقب الأمر فأما إذا كان الأمر على التراخي فلا وهكذا ذكره بعض الحنفية كشمس الأئمة وغيره أنه إنما يقتضي النهي عن ضده إذا اقتضى التحصيل على الفور وأما الأول فاستشكل وجهه الموسع إن لم يصدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى منه قولهم الأمر بالشيء نهي عن ضده وإن صدق عليه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه فضده الذي يلزم من فعله تفويته منهي عنه . وحاصله أنه إن صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيا عن ضده وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلنا في المخير .